الجلسة الثانية: التحديات الاقتصادية

حملت الجلسة الثانية من المؤتمر عنوان "التحديات الاقتصادية" ودارها مستشار الشؤون الخارجية لدولة الرئيس سعد الحريري د. محمد شطح ، لبنان، الذي طرح اشكالية التحديات المتوقع مواجهتها اثر الربيع العربي، خصوصا ان "ادارة الشأن العام وآليات رسم السياسات الاقتصادية في الدول العربية تعاني من خلل اساسي". فهل يمكن تسهيل آليات القرار كي لا نقع في الارتباك؟ وهل هناك ساسيات ترفع من الاقتصاديات الثقافية؟
يسار جرار، شريك في برايس ووترهاوس كوبرز الشرق الأوسط، الإمارات العربية المتحدة، رأى ان "الوضع الاقتصادي لم يأخذ بعد بعده في النقاشات". وشدد على ان اهم اسباب أحداث الربيع العربي هو اقتصادي، لافتا الى ان "بو عزيزي لم يكن سجينا سياسيا، بل مواطن يبحث عن عمل". وحذر ان الدول العربية "ستدخل في شتاء قارس"، نظرا الى أن مستوى البطالة سيرتفع مستقبلا ولا حلول في الافق. فالمؤسسات الاقتصادية ضعيفة والمشكلة الاقتصادية كبيرة. وبخلاف قطاع النفط لا جاذب للاستثمارات في المنطقة. يرى جرار "اننا دخلنا في نفق طويل"، مشدداً على ضرورة قيام ثورة اقتصادية تكمّل الثورة السياسية، والّا جيل بأكمله سوف يدفع الثمن.
من جهته، اشار محمد الدهشان مستشار وكاتب من مصر، الى ان تداعيات الربيع العربي الاقتصادية تشمل كل الدول العربية، نظرا الى انها تشكل "وحدة"، ما يؤدي الى "تأثر الكل بالكل". ويعبّر الدهشان عن هاجسه قائلا: "أخشى ان تفوتنا فرصة الاصلاح"، لافتا الى ان السلطة العسكرية الحالية في مصر تؤثر على قرارات الحكومة، ما يهدد نجاح محاولة التغيير السياسي. وفيما ذكر أهمية الريادة او entrepreneurship التي تعتبر "الجواد الرابح في النمو" وامكانية تحقيق التقدم الاقتصادي من جرّائه، اشار الى ان الاحصاءات تدلّ ان 76% من رجال الاعمال الشباب يجدون صعوبة في انماء شركاتهم، كما 63% يجدون صعوبة في الحصول على قروض بعد الثورة. 
بعد انتهاء مداخلة محمد الدهشان، سأل مدير الجلسة د. محمد شطح الرئيس التنفيذي الجديد لمؤسسة "صلتك"، دولة قطر طارق يوسف عن رأيه عن العمالة والبطالة في الربيع العربي. يجيب يوسف قائلا: "ثورات الربيع العربي تجازوت موضوع السكن والعمالة والبطالة بالرغم من ان جذور هذه الثورة هي اقتصادية، اذ ان مطالب العدالة والكرامة هي اقتصادية الى حد كبير، ولكن فيها رفض كامل للمنظومة الاقتصادية". وتحدث المتكلم عن الفساد في المنطقة العربية على مستوى الطبقة السياسية التي "لا تفصل بين الاداء الاقتصادي والانتفاع المالي". ومن تداعيات هذا الامر تقلّص فرص المشاركة السياسية وتهميش مشاركة المجتمع المدني، فأصبح الاحتكار هو سيد الموقف. ولفت يوسف الى ان الثورة العربية حصلت في ظل فراغ فكري اقتصادي حتى على مستوى النخبة. وحذّر ان الفترة الانتقالية التي تمر بها الدول العربية هي خطرة. يقول: "نحن امام مرحلة حرجة قد تطول، لكن يجب الانتقال الى نظام مستقل والتحلي بقدرة على مواجهة التحديات".
بدوره، اشار بشير مصيطفى، محاضر في الاقتصاد في جامعة الجزائر، الى ان "الربيع العربي يحتاج الى ربيع اقتصادي في كل الاوقات"، مشددا على ان لا خيار الا في اطلاق ثورة اقتصادية. وتكلم مصطفى عن التنمية الاقتصادية في العالم العربي، ولفت الى ان البطالة تترواح بين 15% و60%. في المقابل، تصل نسبة النفط من الانتاج العربي الى 75%. ورأى المتكلم ان ما بعد الربيع العربي سيكون محكوما بقيود اقتصادية، وانه سيواكب بصعوبة التغيير السياسي. وأضاف: "يمكن اسقاط شخص، ولكن من الصعب اسقاط بنية اقتصادية كاملة". 
المداخلة الاخيرة قبل الاستماع الى اسئلة الحضور قام بها جواد العناني، خبير اقتصادي ورئيس مجلس إدارة البصيرة للاستشارات، الأردن، الذي تكلم خلالها عن ظاهرة الفساد المستشرية في العالم العربي وعن كلفة الثورة العربية الاقتصادية. سأل: "هل المؤسسات العربية الحالية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية التي ولدها الربيع العربي؟" واشار الى "اننا امام معضلة كبيرة لاعادة بناء اقتصاديات الدول العربية"، لافتا الى ان هناك مبالغة كبيرة في الانفاق العالم لاسترضاء الناس. وشدد على ضرورة الاستفادة اقتصاديا من فرصة التغيير السياسي الحالي. 
بعد انتهاء المداخلات الخمس، فتح مدير الجلسة المجال امام الحضور لطرح الاسئلة على المتكلمين. وكانت لافتة مشاركة نسائية في الاستفسار عن التحديات الاقتصادية للربيع العربي. واختتمت الجلسة الثانية من مؤتمر "فكر10" بمداخلة رئيس الحكومة اللبنانية السابق فؤاد السنيروة الذي كشف انه تعلم ثلاثة دروس من الربيع العربي: "الدرس الأول هو أنّ الإصلاح ضروري عندما نستطيع وليس عندما نكون مجبرين عليه. اما الدرس الثاني فيتعلق بتصنيف الناس والمؤسسات والدول: الصنف الأول يحول المشكلة إلى فرصة، أما الثاني فيحول الفرصة إلى مشكلة. والدرس الثالث هو مقدار تماثل الدول العربية مع دول غنية أو فقيرة".
وشبه حادثة أبو عزيزي "بالنار التي إمتدت في الهشيم لتعكس رغبة الشعوب العربية، وهي التوق إلى قيم الكرامة والحرية وإحترام حقوق الإنسان وإحترام التنوع ومبدأ تداول السلطة. لذا ينبغي علينا إستخلاص الدروس الحقيقية". واشار السنيورة الى انه "علينا إيلاء الاهتمام للمشاريع العابرة للحدود لأنّها قادرة على إطلاق حركة دينامية في القطاع الخاص الذي يعلب بدوره دوراً مهماً في خلق الفرص وزيادة النمو". وشدد على ضرورة الإرتباط بالنظام الديموقراطي لا بالشخص، لأن الديموقراطية تؤمن الإستقرار والمساءلة والمحاسبة والشفافية وإحترام حقوق الإنسان ومبدأ تداول السلطة.

  • فكر في وسائل الإعلام الإجتماعية