بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، وحاكم دبي
صاحب السمو الملكي الامير خالد الفيصل
أصحاب السمو
أصحاب المعالي والسعادة
أيها الحضور الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
إنه لمن دواعي سروري أن أقف بينكم اليوم متحدثاً لنخبة من رجال الفكر، وقادة الرأي، في العالم العربي. وأود في هذا المقام أن أتوجه بالشكر والتقدير للمؤسسة وسمو رئيسها على توفير هذه البوتقة الحاضنة لتوجهات الفكر العربي، كما لا يفوتني أيضًا أن أتقدم بالشكر لامارة دبي الكريمة، على ما قدمته من حفاوة وحسن استقبال، ونزف التهنئة لدولة الأمارات قيادة وشعبا بمناسبة الإحتفاء باليوم الوطني، ومرور أربعين سنة على تأسيس الدولة.
أيها الحضور،
إني استشعر عظم مسؤولية وقوفي هنا متحدثا اليكم، في عالم يشهد تطورات تتسارع وتيرتها كل يوم. ولكن حاضنة هذا المؤتمر، مدينة دبي الباهية، تذكرني دوماً بأن أحلامنا قابلة للتحقيق، وأن مستقبلنا سيكون زاهراً، بإذن الله.
مؤسسة الفكر العربي قطب أساس من أقطاب الوعي في عالمنا العربي، وعندما أعود لتاريخ المؤسسة أجد أنها في بضع سنين، نجحت في تحقيق إنجازات مميزة، وركزت دوماً على الحلم العربي الكبير، شباب العرب الناهض، وكأنها كانت تستقرىء المستقبل، وتدرك الدور الفاعل للشباب في متغيراته وفي نموه. وبنظرتها الثاقبة المتفكرة، أدركت المؤسسة أن هؤلاء الشباب، هم مصدر التحدي ومصدر الأمل في وقت واحد. فأفردت لشؤونهم الندوات والدراسات والبحوث المتعمقة.
ولقد أدرك العديد ممن هم في سني، أن للشباب عالمهم الخاص، ولغتهم الجديدة، عالم أثيري يتجاوز المكان والحدود وحتى الوقت بمفهومنا له، طرق هذه العالم أبواب كل بيت في اوطاننا، ووصل الى الفقير والغني، محدود التعليم وعاليه، وفرض نفسه على قلوب وعقول الكل، بشبكات اتصاله الاجتماعية، ومحركات بحثه الهائلة. وخير دليل على فاعلية هذا العالم الأثيري، وما اسهم فيه في عالم شبابنا ومقدراته، هو ربيعنا العربي، بامواجه العاتية، وما حمله من تغيير، حدث في اشهر قليلة، وطال اوضاعا ظلت ثابتة لعقود عديدة.
وشاهد لاغراءه غير المحدود للشباب في عالمنا، اسمح لنفسي بان اشارككم تجربة شخصية لي في أرامكو السعودية، حيث نقوم كل عام باجتذاب أفضل خريجي الثانوية العامة في المملكة ونبتعثهم إلى خيرة الجامعات في كافة أنحاء العالم لإعدادهم للعمل في الشركة، وعلى سبيل المثال لدينا الآن حوالي الف ومئتي مبتعث في الخارج. وفي الأعوام الأخيرة ظل جواب الأغلبية الساحقة من الطلبة المتقدمين للبرنامج عندما نسألهم عن التخصص الذي يرغبونه، هو هندسة الحاسب الآلي. وكم اضطررنا إلى التوضيح لهؤلاء الفتية، أن العمل لدينا يعني العمل في جهة هي من الأقوى بين الشركات في العالم في الطاقة المعلوماتية. وان الحاسب الآلي هو العصب لاعمال التنقيب عن النفط واستخراجه وتكريره. وكم ظللنا نسعد عندما نرى عيون هؤلاء الفتية تتلامع عند سماع ذلك، ويقبلون على التخصصات التي نحتاجها باختلاف مجالاتها الهندسية وغيرها.
إنني أقولها هنا، وبكل صراحة، أن المستقبل لهذا العالم الأثيري، وان لم نتحدث لغته، ونستثمر في إمكاناته وفرصه اللامتناهية، فستصبح الفجوة بيننا وبين أجيالنا الشابة هائلة لا نستطيع اجتيازها، وبين بلادنا والعالم سنين ضوئية بمعنى الكلمة. فنحن اليوم نعيش في عالم علينا أن نستمر فيه في الجري حتى نبقي في مكاننا. وليس مثل عالم الاعمال والصناعة من يعي اهمية هذا الجري وهذا التغيير. وفي أيامنا هذه أمثلة حية تشهد بأن المؤسسات الكبيرة المستقرة قد لا تدرك أن الفرصة قد تفوتها وانها قد تواجه اقوى التحديات من منافسين يدركون اهمية التغيير والتطور، ويتيحون ارضية خصبة لرجالات مثل الراحل ستيف جوبز لتقديم المبادرات المبدعة، التي تهدد هيمنة الآخرين، وتخلق الفرص الخارقة.
وعالم النفط، مثل غيره، حافل بالتحديات، وفي كل يوم ننتج فيه، تزداد اهمية التطوير والابداع للوصول الى كميات اكبر من النفط والغاز، ولتطوير سبل الانتاج والنقل، ولتحسين الاداء البيئي للنفط، وللتكامل مع عالم الصناعات البتروكيميائية وتطور تقنياتها. وقبل هذا كله فإن أحد أهم الأسباب التي تجعل التغيير في شركتنا أمرًا ملحًا هو الدماء الشابة تحت سن الثلاثين، الذين سيشكلون نحو 40% من قوة العمل في الشركة خلال الخمس سنوات القادمة. ولقد دشنا هذه السنة برنامجا للتحول الاستراتيجي المتسارع. وهو سيحول ارامكو السعودية من شركة زيت وغاز، إلى شركة عالمية في مجال الطاقة والصناعات الكيميائية المتكاملة، في مدة لا تتجاوز عقد واحد ان شاء الله. ومن أكثر ما يتصل بموضوعنا اليوم هو أن أرامكو السعودية ستحول نفسها إلى مصدر للابتكارات ومنتج للتقنيات الرائدة باذن الله.
والحديث عن حتمية التغيير في عالم الاعمال والشركات في ظل المعطيات التي اشرت اليها، يجد تماثلا كبيرا في الحديث عن حتمية التغيير في العالم العربي الذي شاهدنا كيف جاءه كسيلٍ هادر، وخص دولا تأثرت بعوامل داخلية واوضاع اقتصادية عالمية متدهورة، وكان اكثر المتأثرين بها الشباب تحت سن الثلاثين الذين تبلغ نسبتهم 70% من مجموع السكان في العالم العربي، والذين يحلمون دوما بيوم افضل، ناهيك عن الغد. وهم دوما يتطلعون للحرية والحياة الكريمة وفرص التطور والازدهار. ولست هنا بصدد الحديث عن ماهية التغير المطلوب في العالم العربي، وانا متأكد بان قادة الفكر واصحاب الرأي الذين هم معنا اليوم، خير القادرين على ادراك مدى التحديات التنموية في وجه امتنا، لذا فانني ساحصر حديثي في تقنيات التغيير الناجح، ومايتطلبه من بنية تحتية معلوماتية.
لا يخفى على كل مفكر ومخطط في دنيا التغيير، ان هناك اركان اربعة تبنى عليها رحلة التغيير والتطور والتقدم. فلا تغيير يتم دون الوصول الى قلوب وعقول الناس، واقناعهم باهمية التغيير ليكونوا حملة رسالته، والركن الثاني هو بناء بيئة الابتكار والابداع، فاتحة الباب امام الافكار الخلاقة على مصراعيه، في كل مايؤدى من عمل. ومع الافكار المتطورة، والتغير المتسارع، يبرز الركن الثالث وهو بناء رأس المال البشري وايجاد فرص التدريب والتعلم للتتواكب المهارات مع متطلبات التغيير . ويحمل الركن الرابع الاهمية نفسها، وهو متابعة التغيير واستقراء فاعليته وتأثيره، بكل دقة وشفافية، لاجراء التعديلات المناسبة اثناء رحلة التغيير الشاقة.
في رحلة التغيير في ارامكو السعودية، وجدنا في عالم تقنية المعلومات خير رفيق ومعين في كل اركان التغيير، فقد بنت الشركة شبكة الكترونية عالمية هي الاساس لاعمالنا. وقد شكلت الشبكة الداخلية في الشركة وسيلة ممتازة في التواصل مع الموظفين، وخاصة مع الشباب منهم، وساهمت في تفهمهم لدوافع التغيير واهدافه وسبله، وفي العالم العربي ستسهم مثل هذه الشبكات في التواصل بين شباب الامة وقادتها والوصول لرؤية مشتركة حول اهداف التغيير وطرقه.
وفي عالم الابتكار والابداع، اعتبرت الشركة ان كل موظف هو مصدر متوقع للابداع والاختراع، ولهذا بنت الشركة نظاما الكترونيا خاصا، شكل منتديا لتقديم الافكار المبتكرة والاختراعات المبدعة، واستجاب له موظفو الشركة بما يزيد على مئة الف فكرة ابداعية تطويرية، حيث تحول هذه الافكار والمقترحات والابتكارات الى الجهات المعنية بها، وتدرس وتتابع حتى الوصول الى تقويم لها ومن ثم تطبيقها. وبالاضافة الى الاف الافكار التطويرية الداخلية، اثمر البرناج عن الحصول على 139 براءة اختراع ويزيد عدد البراءات الجاري تسجيلها عن 360 براءة. وانا هنا ادعو الى التركيز على ثقافة الابداع والابتكار في العالم العربي من خلال منظومات معلوماتية متكاملة تحتضنه وتضمن تقييم الافكار المبدعة، وعدم تفويت فرصة الاستفادة القصوى منها، لتكون قاعدة لانطلاقة اقتصادية منافسة على مستوى العالم.
وفي مجال بناء رأس المال البشري، اسهمت برامج الشركة المعلوماتية في ضمان توفير الكفاءات والتخصصات والمهارات التي تحتاجها الشركة، ومكنت من استقراء المستقبل والتخطيط له. ولكم يحتاج وطننا العربي لافضل النظم المعلوماتية للتخطيط لرأس المال البشري، ومتابعة تنفيذ خطط التطوير. وقد وفرت النظم المعلوماتية في التعلم والتدريب الشخصي في ارامكو السعودية فرصا لمساندة حاجات التدريب الاساسية ومتطلبات التغيير ايضا، مع ابقاء المستفيد منها فردا منتجا في عمله في نفس الوقت. وبلغ عدد الدورات التي اتمها الموظفين مايزيد على مئتين وسبعين الف دورة. وأنا مؤمن بأن برامج التدريب على الانترنت، تشكل وسيلة رائعة لاتاحة فرص التعلم والتدريب لشباب عالمنا العربي، ويتيح انخفاض تكاليفه ان يكون في متناول الجميع.
وفي برامج التغيير والتطوير في ارامكو السعودية، اتاحت البرامج المعلوماتية ما يزيد على خمسة الاف تقرير دوري في مجال المتابعة والتقويم، توفر فرصا رائعة للوصول الى اعلى مستويات الشفافية، واستقراء الاراء حول برامج التغيير المختلفة، ومتابعة هذا التغيير بشكل مستمر وفوري، موفرة الفرصة لاجراء التعديلات باقصى كفاءة في الوقت والكيف. ولا شك ان مثل هذه الادوات المعلوماتية وسيلة اساس لمتابعة تنفيذ خطط التنمية في عالمنا العربي بوضوح ودقة وشفافية لصانع القرار وجهات المتابعة والمراقبة والتشريع.
ايها الحضور الكرام:
ارجو ان اكون قد نجحت من خلال مشاركتي لكم لتجربتنا في التغيير نحو الافضل، في توضيح اهمية التقنية المعلوماتية كوسيلة اساس في نجاح التغيير، وتلبية طموح الشباب والتواصل اللصيق معهم. وعلى مستوى العالم العربي، يسرنا أن مستوى الانفاق في تقنية المعلومات والاتصالات يتزايد فيه باضطراد، ولعل أرقام المملكة العربية السعودية التي توجه قادتها، بكل حصافة وبعد نظر، الى جعل المملكة الدولة العربية الأكثر استثماراً في هذا المجال دليل حيّ على ذلك، إذ وصل إنفاقها ما مجموعه 27 مليار ريال سعودي في سنة 2010.
وهذا الاستثمار مطلوب في جوانب متعددة، فمن توفير الشبكات، إلى محو أمية تقنية المعلومات ونشر المهارات المعلوماتية، إلى توفير المحتوى الرقمي المطلوب. وفي مجال المحتوى هذا يسعدني أن أرامكو السعودية بدأت منذ أكثر من عام مضى في مشاركة غالية مع مؤسسة الفكر العربي لإعداد دراسة هامة حول المحتوى الرقمي العربي في الانترنت. وقد تم يوم امس اطلاق أول تقرير فرعي لهذه الدراسة ضمن تقرير التنمية الثقافية الذي تصدره مؤسسة الفكر، وسيتم العام القادم اطلاق التقرير الرئيسي باذن الله.
وفي المملكة، تتولى أرامكو السعودية بناء مشروع تنمية حضارية طموح، هو مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي. ويجسد المركز رؤية فريدة لخادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبد العزيز للاهتمام بالفكر والثقافة والتنمية، ليكون ركنا اساسا من النشاطات العديدة لمسؤليتها الاجتماعية. وبالإضافة لشكله المعماري الإبداعي، يتميز المركز بتصميم تقني وتفاعلي يخاطب ويجتذب جيل الشباب، ويعينهم عبر برامج المركز المتعددة، المبنية على ارقى التقنيات المعلوماتية، على التفاعل مع قريتنا العالمية بشكل أكبر، وتسهيل الوصول لمصادر معرفية ذات جودة عالية باللغة العربية وتزويدهم بمهارات القرن الحادي والعشرين المرتكزة على التقنية، وسرعة التعلم، والتعاون مع الآخرين وترجمة الأفكار الإبداعية الى حلول عملية ومنتجات لها قيمة سوقية تساعد على التنمية الإقتصادية.
أيها الحضور الكرام:
ونحن نرى مدى اسهام التقنية المعلوماتية كسلاح لاحداث التغييرات التي شهدها العالم العربي، وفي الوقت الذي نتساؤل فيه عن ماذا يأتي بعد الربيع العربي، ارى من افضل ما نفكر به ان السلاح المعلوماتي الفاعل الذي رأيناه، يمكن ان يسخر في خدمة التنمية والتغيير نحو الافضل. وهو مفتاح قلوب هؤلاء الشباب وعماد اساس من اعمدة بناء مستقبلهم الاقتصادي. يتيح الفرص لطاقتهم الشبابية المتدفقة، لتصنع الفرق بين عالم مستهلك للتقنية وعالم مبتكر لها، ومن عالم يتعثر اقتصاده وتنميته الى عالم مزدهر ومتفوق. وليس هذا حلما هذه الايام، فالتقنية المعلوماتية كما اسلفت متاحة لمن يستثمر فيها، وشبابنا لا يقلون ذكاءا ولا قدرة عن نظرائهم في العالم، ان لم يفوقوهم. وهذا ايها الاخوة والاخوات يجعل الاستثمار في تقنية المعلومات وتشييد بنيتها الاساسية، واجبا ملحا وفرضا لازم الاداء بحق شبابنا. ليقفوا رافعين راية النهضة خفاقة في العالم العربي، في صيفه وشتائه وربيعه وخريفه. فالتزامنا نحوهم قائم في كل الفصول.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.